مجمع البحوث الاسلامية

723

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فقال : سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النّور : 1 . ثالثا : في ( 1 ) بحوث : 1 - قدّم مفعول الفعل عليه ، فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما اهتماما به كما قدّم في وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما المائدة : 38 ، وجاء ( فاجلدوا ) و ( فاقطعوا ) في الآيتين بفاء الجزاء تقبيحا وتقليلا لهما كأنّهما لا يقعان ، وأنّه لو فرض وقوعهما فحكمهما الجلد والقطع ، فكأنّ السّياق يتضمّن الشّرط . قال الزّمخشريّ : « وإنّما دخلت الفاء لكون الألف واللّام بمعنى ( الّذي ) وتضمينه معنى الشّرط ، وتقديره : الّتي زنت والّذي زنى فاجلدوهما ، كما تقول : من زنى فاجلدوه » . 2 - ذكر الزّانية والزّاني معا ، لأنّ العمل مشترك بينهما وقائم بهما . 3 - قدّمت الزّانية على الزّاني - مع أنّه هو الفاعل وهي مفعول بها - لشيوع الزّانيات في ذلك الزّمان ، وكان لإماء العرب والبغايا رايات ، وكنّ مجاهرات بذلك ، وداعيات للرّجال إليهنّ ، ولما قيل من أنّ الزّنى في النّساء أعرّ ، وهو لأجل الحبل أضرّ ، وأنّ الشّهوة في المرأة أكثر ، وعليها أغلب ، ولأنّ العار بالنّساء ألحق ؛ إذ موضوعهنّ الحجب والصّيانة ، ولأنّهنّ الباعثات لها لتبرّجهنّ وإبداء زينتهنّ وإغرائهنّ الرّجال ، فصدّر بها تغليظا وتشديدا لهنّ . - لاحظ القرطبيّ ( 12 : 160 ) - وهذا بخلاف السّارق والسّارقة ؛ حيث قدّم السّارق لأنّ السّرقة على الرّجال غالبة ، وذكرت السّارقة اهتماما بها لئلّا يغفل عنها . 4 - جاء الزّنى والسّرقة كلاهما بلفظ اسم الفاعل الدّالّ على نوع من الاستمرار ، أي من عادته الزّنى والسّرقة ، فلا يصدقان بقول مطلق إلّا على الّذين يديمون العمل . هذا هو مقتضى الصّيغة لكنّهم لم يعتنوا بها عملا بالسّنّة ، وتحمل الصّيغة الحاكية عن العادة والدّوام على أنّ التّعبير بها كان تشديدا لأمر الزّنى والسّرقة ، وأنّهما بدرجة من القباحة والشّناعة ، أنّ من أتى بأحدهما مرّة بمثابة من كانت عادته ذلك ، فيتّصف بوصف الدّائم ، وعلى كلّ حال فصيغة الفاعل منهما أفحش من لفظ الفعل ، لاحظ « ز ن ي » . 5 - هناك بحث في أمثال الآيتين من آيات الحدود وغيرها ممّا وجّه فيه الخطاب إلى المؤمنين عامّة ، دون النّبيّ عليه السّلام أو أولياء الأمور والحكّام والقضاة ، مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ إجراء الحدود من وظائف ولاة الأمر ، فما هو وجه هذه الخطابات ؟ ويخطر بالبال أنّها وجّهت إلى المؤمنين من أجل الاهتمام بها ، وأنّها من الوظائف الاجتماعيّة الّتي كلّف بها المؤمنون جميعا لكي يهتمّوا بإجرائها ، ولا يدعوها معطّلة ، أو معلّقة ؛ وذلك بإعانتهم الأولياء الّذين بيدهم أزمّة الأمور حتّى يتمكّنوا من إجرائها ، وليس معنى الخطاب عامّة أنّ لكلّ أحد من المؤمنين إجراءها من دون إرجاعها إلى وليّ الأمر ، وإلّا لاختلّ النّظام ويصبح الأمر فوضى ، وهذا نظير حكم وجوب طاعة أولي الأمر ومن مصاديقه . وهذه الخطابات دليل على أنّ شؤون الحكومة من